محمود شيت خطاب
117
الرسول القائد
وتبقى الصفوف في مواضعها بسيطرة قائدها ، إلى أن يفقد زخم المهاجمين بالكرّ والفر شدّته . . . عند ذاك تتقدم الصفوف متعاقبة للزحف على العدو . يظهر من ذلك أن أسلوب ( الصفوف ) يتميز على أسلوب ( الكرّ والفر ) بأنه يؤمّن ترتيب القوات بالعمق ، فتبقى دائما بيد القائد قوة احتياطية يعالج بها المواقف التي ليست بالحسبان ، كأن يصد هجوما مضادا للعدو ، أو يضرب كمينا لم يتوقعه ، أو أن يحمي الأجنحة التي يهددها العدو بفرسانه أو بمشاته ، ثم يستثمر الفوز بالاحتياط من الصفوف الخلفية عند الحاجة . إن أسلوب ( الصفوف ) يؤمّن السيطرة عنى القوة بكاملها ، ويؤمّن احتياطا للطوارىء ، ويصلح للدفاع والهجوم في وقت واحد ؛ أما أسلوب ( الكر والفر ) فيجعل القائد يفقد السيطرة على قواته ولا يؤمّن له أي احتياط للطوارىء . إن تطبيق الرسول صلّى اللّه عليه وسلم لأسلوب ( الصفوف ) في معركة ( بدر ) ، عامل مهم من عوامل انتصاره على المشركين ؛ والتاريخ العسكري يحدثيا بأن سر انتصار القادة العظام كالإسكندر وهنيبال قديما ونابليون ومولتكه ورومل ورونشتد حديثا ، هو أنهم طبقوا أسلوبا جديدا في القتال غير معروف أو قاتلوا بأسلحة جديدة غير معروفة . استعرض الرسول صلّى اللّه عليه وسلم أصحابه قبل القتال ، فعندما رآهم يتزاحمون ويدنو بعضهم من بعض جعلهم صفوفا وأخذ يعدل صفوفه . وبعد ذلك خطبهم حاثا لهم على الجهاد ، وأمرهم أن يصدوا هجوم العدو وهم مرابطون في مواقعهم ، وذلك بتسديد النبال إلى صدور العدو ، كما أمرهم ألّا يحملوا إلا بأمر منه .